أحمد بن علي القلقشندي

158

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

التّتار ، واستيلائه على ملكها ، وجلوسه على تخت بني سلجوق ، ثم العود منها إلى مملكة الدّيار المصرية ؛ كتب بها إلى الصّاحب بهاء الدّين بن حنّا ، وزير السلطان الملك الظاهر ، ومعرفة ما كان في تلك الغزوة ، وما اشتملت عليه حال تلك السّفرة ؛ وهي : يقبّل الأرض بساحات الأبواب الشريفة السّيّديّة ، الصّاحبية البهائيّة - لا زالت ركائب السّير تحثّ إلى أرجائها السّير ، وصروف الزّمن تسالم خدّامها وتحلّ الغير بالغير ، ولا برحت موطن البرّ ومعدن الجود وبحر الكرم وعكاظ الخير - وينهي بعد رفع أدعيته التي لا تزال من الإجابة محوطة ، ولا تبرح يداه بها مبسوطة ، أنّ العبيد من شأنهم إتحاف مواليهم بما يشاهدونه في سفراتهم من عجائب ، وإطلاعهم على ما يرونه في غزواتهم من غرائب ؛ ليقضوا بذلك حقوق الاسترقاق ، وتكون نعم ساداتهم قد أحسنت لأفواههم الاستنطاق ، ويتعرّضوا لما عساه يعنّ من مراحمهم التي ما عندهم غيرها ينفد وما عندها باق . ولمّا كان المملوك قد انتظم في سلك الخدم والعبيد ، وأصبح كم له قصيد في مدح هذا البيت الشّريف كلّ بيت منها بقصيد بيت القصيد ، وأنّ في مآثره الرّسائل التي قد شاعت ، وضاعت نفحاتها في الوجود وكم رسالة غيرها في غيره ضاعت - رأى أن يتحف الخواطر الشّريفة من هذه الغزوة بلمح يختار منها من يؤلَّف ، ويسند إليها من يؤرّخ أو يصنّف ؛ وإنّما قصد أن يتحف بها أبواب مولانا مع بسط القول واتّساع كلماته ، لأن اللَّه قد شرّف المملوك بعبوديّة مولانا : و * ( الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَه ) * ( 1 ) . فإن كان المملوك قد طوّل في المطارحة ، فمولانا يتطوّل في المسامحة ؛ وإن قال أحد : هذا هذى ، فما زال شرح الوقائع مطوّلا كذا ؛ وتاللَّه ما ورّخ مثلها في التواريخ

--> ( 1 ) الأنعام / 124 .